القاضي عبد الجبار الهمذاني

385

شرح الأصول الخمسة

هذا ، فإن إخبار النبي عن الغيوب ، نحو إخباره عليا عليه السلام : « إنك تقابل الناكثين والمارقين والقاسطين » ، وقوله لعمار : « ستقتلك الفئة الباغية ، وآخر زادكم ضياح من لبن » كلها أعلام معجزة دالة على صدقه مع تأخرها عن دعواه ، جاز ذلك لثبوت صدقه بدلالة أخرى غير هذه الدلالة ، فهذه الطريقة التي أوجبناها ، من أن يكون المعجز واقعا عقيب دعوى المدعي للنبوة ، وإنما أوجبناها إذا لم يكن المعجز نفس المدعي للدعوى فأما إذا كان كذلك ، نحو كلام عيسى عليه السلام في المهد ، فادعاؤه النبوة ، فلا . وإن كان من الناس من ذهب إلى أن ذلك معجزا لزكريا عليه السلام . والثالث : أن يكون مطابقا لدعواه فإنه لو يكن كذلك وكان بالعكس ، لم يكن يتعلق بدعواه فلا يدل على صدقه . يبين ذلك ، أن قائلا لو قال بحضرة جماعة : إني سول فلان إليكم ، وعلامته أن يحرك رأسه إذا بلغه كلامي هذا ، فإنه إذا بلغه ولم يحرك ، وسكن رأسه ، لم يدل على صدقه ، إن لم يدل على كذبه . وفي أصحابنا من ذهب إلى أن المعجز إذا لم يكن مطابقا وكان بالعكس فإنه يدل على التكذيب ، وحكى أن مسيلمة لما ادعى بحضرة الناس : إني رسول اللّه إليكم ، ومعجزتي أني إذا بزقت في هذه البئر فار ماؤها ، واللّه تعالى أمر حتى غاض ماء ذلك البئر وصار تكذيبا له ، وذلك مما لا أصل له عندنا . وما هذا حاله فإنه لا يجوز على اللّه تعالى ، لأنه إذا أراد تكذيب شخص كان يمكنه ذلك بأن لا يظهر عليه المعجز عقب دعواه ، فإحداث شيء آخر والحال ما قلناه يكون عبثا لا فائدة فيه . والرابع : أن يكون ناقضا لعادة من بين ظهرانيه ، لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن ليدل على صدق من ظهر عليه أصلا ، ألا ترى أن أحدنا إذا ادعى النبوة ، وجعل معجزته طلوع الشمس من مشرقها وغروبها في مغربها لم تصح له دعواه ، ولم يدل ذلك على صدقه ، وبالعكس من ذلك فلو ادعى النبوة وجعل معجزته طلوع الشمس من المغرب وغروبها في المشرق ، فإنه يدل على صدقه لما انتقض في أحدهما ولم ينتقض في الآخر . أن يكون المعجز من حكيم وكما لا بد من اعتبار هذه الشرائط في المعجز حتى يدل على صدق من ظهر